محمد بن جعفر الكتاني

83

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - مجيدا للقرآن العزيز ؛ حفظا وأداء ، مع حسن نغمة به ، ورسما وضبطا ، وعلما بأحكام ذلك . مشاركا في النحو ؛ كاد أن يحفظ فيه كافية ابن مالك لكثرة ما يورد من نصوصها ، والعروض : يفهم شرح الشريف " للخزرجية " فهما جيدا ، ويديم مطالعة تفسير ابن عطية ، مع الصلاح والزهد . قرأ على ابن غازي ، وجمع عليه القرآن بالقراءات السبع ، وأجازه ، ولازمه في التفسير وغيره من دروسه سنين ، وقرأ - أيضا - على الشيخ أبي العباس الحباك ، وأبي الحسن ابن هارون ، وأبي محمد عبد الواحد الونشريسي ، وأبي عبد اللّه اليسيتني . . . وغيرهم . وأخذ عنه : الشيخ أبو العباس المنجور وغيره . وكان منفردا عن الناس حين فراغه من التجويد ، مقبلا على شأنه ، متواضعا منصفا . ولد سنة ثمان وثمانين وثمانمائة . وتوفي سنة أربع وخمسين وتسعمائة ، وكانت جنازته مشهودة ؛ حضرها السلطان فمن دونه ، وأسف الناس لفقده ، وأثنوا عليه خيرا . ودفن بهذا الخارج ، بمطرح الجنة . ترجمه المنجور في فهرسته ، وصاحب " الجذوة " . . . وغيرهما . ونص على دفنه بالمحل المذكور صاحب كتاب " التفكر والاعتبار " . [ 943 - الصالح المجذوب سيدي الحاج أبو بكر الطرابلسي ] ( ت : 1180 ) ومنهم : الطالب [ 65 ] الأجل ، التالي كتاب اللّه عزّ وجل ، الولي الصالح ، المجذوب السائح ؛ سيدي الحاج بو بكر الطرابلسي أصلا ، الفاسي . كان - رحمه اللّه - في أول أمره من الطلبة القاطنين بالمدرسة المصباحية ، ويحضر في القرويين مجالس العلماء للعلم ، وكان يحضر في قراءة خليل على الشيخ أبي عبد اللّه جسوس ، كثير البحث والمجادلة في المجلس . وكانت تسرقه الأحوال في بعض الأحيان حتى يتخلخل من ذلك عقله . ثم قوي عليه ذلك وكثر حتى صار مجذوبا متجردا ، هائما في الأسواق ، ولا يشعر بحر ولا برد ، ولا يبالي بوسخ ولا بغيره ، ولا يكلم أحدا من الناس إلا قليلا . ثم صار يحمل معه في ثوبه قلاليش القطران والزيت ، والسمن والشحم ، وزلائف وأحجارا وحدائد . . . ويجعل ذلك على عنقه ؛ يطوف به في الأسواق ، ويجلس به عند الخصة الوسطى بالقرويين . وإذا جلس ؛ طرح ذلك عن ظهره ، وصفف تلك القلاليش واحدة واحدة ، وأخرج الدواة والقلم واللوح ، واشتغل بالكتابة . وإذا أراد القيام ؛ رد ذلك إلى ثوبه ، وحمله على ظهره . . وإذا مر بسوق العطارين ؛ أخذ من الحوانيت الحناء والشب والمقصات والإبر . . . وغير ذلك ، وجعله في شاميته . هذه كانت سيرته . وكان يشير بإشارات لا تفهم حتى تقع .